السيد محمد تقي المدرسي
22
فقه الإستنباط (دراسات في مبادئ علم الأصول)
أمّا رائد المنطق الوضعي " أو جست كونت " فقد قسَّم العلوم إلى : 1 - رياضيات ، 2 - فلك ، 3 - طبيعة ، 4 - كيمياء ، 5 - علم حياة ، 6 - علم اجتماع . أما الأولويات التي اهتم بها فهي : أولًا : مدى ضيق أو سعة دائرة العلوم ، فاعتبر الرياضيات أوسع مدى من الفلك مثلًا . ثانياً : مدى بساطة أو تعقيد العلم ، فالأبسط مقدَّم عنده على الأعقد ، وهكذا اعتبر الرياضيات أبسطها وعلم الاجتماع أعقدها . ثالثا : مدى اعتماد العلم على غيره ، فالرياضيات لاتعتمد على غيرها بينما يعتمد عليها غيرها . « 1 » رابعاً : مدى قِدَم العلم ، فالأقدم مقدَّم على غيره . والملاحظ أنّ هذه النظريات لم تلاحِظ في تقييم العلوم المعايير الحقيقية ( مثل موضوع العلم أو غايته ) بل كان هدفها مجرد تقسيم العلوم ، مثلما فعلت الأدبيات الإسلامية التي قسَّمت العلوم ، إلى : علم الأديان وعلم الأبدان . وأعتقد أنّ علينا أولًا : أن نعرف لماذا نميّز بين العلوم المختلفة ؟ وبتعبير آخر : ما هو غاية هذا التمييز ؟ ومن جهة أخرى : ما هو ضرره ؟ ثم وإنطلاقاً من هذا الأمر نبحث معايير التمايز ، وهكذا دعنا نتحدث عن هذه المسائل في ثلاث بصائر : ألف : التعمّق هدف تمايز العلوم إذا كان العلم هو كلّ بحث عن الحقائق وفق قواعد متفق عليها ، فإنّ غاية التمايز بين العلوم التعمّق في فهم الحقائق . ومن هنا فإنك تجد العلم اليوم يتجه دائماً نحو التخصّص ، فإنه السبيل الوحيد للمزيد من التعمّق في عالم يزداد مجال المعرفة فيه إتساعاً وتنوّعاً . باء : سلبيات تمايز العلوم إلّا أنّ هناك مثالب للتخصّص حيث قد يغالي المتخصّص في أهمية مجال عمله بحيث
--> ( 1 ) - راجع المصدر ، ص 168 .